الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
233
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
استسلامهم لأمر الله وعليه فإن قوله تعالى : إني أمرت أن أكون أول من أسلم يعني أول مسلم من أمة الرسالة الخاتمة . كما أن هذا إشارة إلى أمر تربوي مهم أيضا ، وهو أن كل قائد ينبغي أن يكون في تطليق تعاليم دينه قدوة وطليعة ، عليه أن يكون أول المؤمنين برسالته ، وأول العاملين بها ، وأكثر الناس اجتهادا فيها ، وأسرعهم إلى التضحية في سبيلها . الآية التالية فيها توكيد أشد لهذا النهي الإلهي عن اتباع المشركين : قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ( 1 ) . أي يأمر الله رسوله أن يقول بأنه ليس مستثنى من القوانين الإلهية ، وأنه يخاف - إن ركن إلى المشركين - عذاب يوم القيامة . ومن هذه الآية نفهم أيضا أن شعور الأنبياء بالمسؤولية يفوق شعور الآخرين بها . ولكي يتضح أن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يستطيع شيئا بغير الاستناد إلى لطف الله ورحمته ، فكل شئ بيد الله وبأمره ، وحتى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نفسه يترقب بعين الرجاء رحمة الله الواسعة ، ومنه يطلب النجاة والفوز : ومن يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين . هذه الآيات تبين منتهي درجات التوحيد ، وترد على الذين كانوا يرون للأنبياء سلطانا مستقلا عن إرادة الله ، كما فعل المسيحيون عندما جعلوا من المسيح ( عليه السلام ) المخلص والمنقذ ، فتقول لهم : إن الأنبياء أنفسهم يحتاجون إلى رحمة الله مثلكم . * * *
--> 1 - يلاحظ أن تركيب عبارة الآية يقتضي أن تأتي جملة " أخاف " بعد جملة " إن عصيت ربى " لأنها جواب الشرط ، غير أن تقديمها يفيد التأكيد على عظم إحساس رسول الله بالمسؤولية أمام أوامر الله تعالى .